[gtranslate]

شاهد على الأحجار القديمة والأحجار الحية للإيمان

بقلم ناثان هوسلر

ناثان هوسلر، في المقدمة على اليمين، يتحدث مع قادة المجتمع المحلي ضمن وفد من منظمة "كنائس من أجل السلام في الشرق الأوسط" في كردستان العراق. صورة التقطها ويلدون نيسلي من فرق صناع السلام المسيحيين

قبل أسابيع قليلة، سافرتُ مع المديرة التنفيذية لمنظمة "كنائس من أجل سلام الشرق الأوسط" (CMEP)، ماي إليز كانون، وإريك أبيلغارد من مجلس الكنائس العالمي (WCC)، إلى كردستان العراق. وكان الهدف من الرحلة توسيع نطاق عمل منظمة "كنائس من أجل سلام الشرق الأوسط" في المنطقة، مع التركيز بشكل خاص على استدامة المجتمعات المسيحية التاريخية وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية إليها.

تُعدّ كنيسة الإخوة واحدة من نحو 30 جماعة أو هيئة وطنية عضوًا في منظمة CMEP، وأنا رئيس مجلس إدارتها. وبصفتي هذه، شاركتُ لدعم عمل CMEP، ولتوسيع نطاق خدمة كنيسة الإخوة. وقد مثّلت هذه المشاركة خطوةً هامةً نحو تحقيق أهداف بيان المؤتمر السنوي لعام 2015 بعنوان "مجتمعات الأقليات المسيحية". وجاء في البيان:

بصفتنا أعضاءً في جسد المسيح العالمي، نشعر بالقلق إزاء تدمير المجتمعات المسيحية في المناطق التي يُستهدف فيها المسيحيون باعتبارهم أقليات دينية. وبينما يساورنا قلق بالغ إزاء اضطهاد الأقليات الدينية بغض النظر عن الدين أو التقاليد، فإننا نشعر بدعوة قوية للتحدث نيابةً عن إخوتنا وأخواتنا في جسد المسيح. "إذن، فلنعمل، كلما سنحت لنا الفرصة، من أجل خير الجميع، ولا سيما أهل الإيمان" (غلاطية 6: 10).

"نشعر أيضاً بقلق بالغ إزاء التضاؤل ​​السريع في أعداد المجتمعات المسيحية في أماكن مثل العراق وفلسطين وسوريا. إن القضاء على هذه المجتمعات المسيحية العريقة التي لا تزال نابضة بالحياة لن يكون كارثة لحقوق الإنسان وخسارة لشعوب المنطقة فحسب، بل سيكون أيضاً خسارة مأساوية للشهادة المسيحية التاريخية في الأرض التي ترسخت فيها الكنيسة لأول مرة."

بفضل تفويض تنظيمي قوي ودعوة من أحد قادة الكنائس في بغداد، عملنا على تنظيم رحلة. إلا أنه قبل أسابيع قليلة من موعد المغادرة، اندلعت احتجاجات في بغداد وتصاعدت حدتها مصحوبة بقمع حكومي عنيف. وحتى كتابة هذه السطور، قُتل أكثر من 350 متظاهراً. إضافة إلى ذلك، وقع الغزو التركي لشمال شرق سوريا عقب إعلان انسحاب مفاجئ للعديد من القوات الأمريكية من المنطقة. ورغم أننا قررنا عدم دخول العراق الاتحادي بسبب الاحتجاجات، فقد توجهنا إلى إقليم كردستان العراق شبه المستقل.

بدأنا جولتنا في أربيل، حيث التقينا بقادة الكنائس، والمنظمات الإنسانية، والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID). وتحدث قادة الكنائس عن النزوح والتناقص الحاد في أعداد أتباعهم خلال السنوات الأخيرة، إذ انخفض عددهم من 1.5 مليون مسيحي قبل الغزو الأمريكي عام 2003 إلى ما يقارب 200 ألف حاليًا. شاهدنا كرمًا ينمو في ساحة كنيسة كانت تؤوي في السابق نازحين من تنظيم داعش في الموصل. كما شاهدنا مستشفى جديدًا قيد الإنشاء. كانت هذه وغيرها من الدلائل على حيوية مجتمع الكنيسة واستمرار رسالته رغم المصاعب الجمة. كما أبرزت رسالة متكررة مفادها أن المؤسسات الكنسية ضرورية لتلبية الاحتياجات وتوفير الأمل للمستقبل للمجتمعات.

في اليوم التالي، سافرنا مع فريق صانعي السلام المسيحيين شمالًا إلى منطقة قريبة من الحدود التركية. استمعنا إلى تقارير عن مرافقة الفريق وتوثيقه لحقوق الإنسان بشأن القصف عبر الحدود، بالإضافة إلى شهادات مباشرة من المجتمعات المحلية. وفي اجتماعنا في كنيسة آشورية بقرية كاشكاوا، مع أناس من ثماني قرى مجاورة، اطلعنا على تفاصيل الوضع الصعب. وكان من بين المناشدات القوية لنا ضرورة الاعتراض على دعم الولايات المتحدة ومساعدتها العسكرية للحكومة التركية. واختُتمت زيارة اليوم بوجبة رائعة تناولناها معًا حول مائدة طويلة، وشربنا الشاي في فناء الكنيسة.

واصلنا رحلتنا إلى دهوك. ومن هناك، زرنا ألقوش، التي فرّ سكانها مع تقدّم تنظيم داعش، ثم إلى تلسكوف، التي كان التنظيم قد احتلّها، لكنّ جميع سكانها فرّوا قبل وصولهم. ورغم تحرير المدينة منذ فترة، لا يسكنها اليوم سوى 700 عائلة، بعد أن كان عدد سكانها 1600 نسمة؛ بل إنّ العديد من العائلات الموجودة حاليًا ليست من سكانها الأصليين. وفي مكان قريب، زرنا لفترة وجيزة مخيمًا للنازحين الإيزيديين، حيث يقيم معظمهم منذ عام 2014. وبعد أن مرّ رجلٌ من المخيم، أشار دليلنا إلى أنّ زوجته وابنته ما زالتا مفقودتين.

خلال الرحلة، سمعنا كلمات التشجيع والتقدير، إلى جانب التحديات الصعبة. قال أحد المصلين بعد صلاة المساء: "كلما رأيناكم، تذكروا أننا لسنا وحدنا، فهناك مسيحيون في جميع أنحاء العالم". وبعد بضعة أيام، أعرب كاهن عن غضبه من حضور العديد من الكنائس والمنظمات دون تقديم أي مساعدة.

بينما كنا نغادر مدينة دهوك عائدين بالسيارة إلى أربيل ومن ثمّ نسافر جواً إلى ديارنا، رأينا حافلات تقلّ لاجئين قادمين من الحدود السورية. وخلال سيرنا على الطريق السريع، وبينما كنا نمرّ بجانب الحافلات، رأينا أطفالاً ينظرون من النوافذ.

في طريق العودة، زرنا لفترة وجيزة معبد اليزيديين في لالش، حيث كان يُستقبل النساء والفتيات المختطفات. كما زرنا آثارًا من آشور القديمة ودير مار متى (دير القديس متى) الذي تأسس عام 363م، ويطل على سهل نينوى على بُعد حوالي 24 كيلومترًا من الموصل. تتميز كل من الأحجار القديمة والأحجار الحية بحيويتها، لكنها أيضًا مُعرّضة للخطر.

بينما نمضي قدماً في الخطوات التالية من هذا العمل، وكذلك مع اقتراب عيد الميلاد، أتطلع إلى تحرك الروح القدس ليرشدنا في طريق السلام والرفاهية للجميع.

— ناثان هوسلر هو مدير مكتب بناء السلام والسياسات التابع لكنيسة الإخوة في واشنطن العاصمة.

[gt-link lang="en" label="English" widget_look="flags_name"]